الشيخ محمد رشيد رضا

196

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب العليم الحكيم فلا مندوحة له عن الجزم بأن محمدا أكمل وأفضل وأعلم وأحكم من كل من عرف في هذا العالم من الحكماء الهادين المهديين ، ويكون الواجب بمقتضى العقل ان يعترف له هؤلاء بأنه سيد البشر على الاطلاق وأولاهم بالاتباع بعنوان ( سيد البشر وحكيمهم الأعظم ) واننا رأينا بعض المنصفين من الواقفين على السيرة المحمدية الذين يفهمون القرآن في الجملة يعترفون بهذا قولا وكتابة ( منهم ) الأستاذ مولر الانكليزي المشهور ، ومنهم ذلك الفيلسوف الطبيب السوري الكاتوليكي النشأة الذي رأى في مجلة المنار بعض المناقب المحمدية فكتب الينا كتابا يقول في أوله : أنت تنظر إلى محمد كنبي فتراه عظيما ، وأنا أنظر اليه كرجل فأعده أعظم وذكر أبياتا في وصفه ووصف القرآن وما فيه من محكم الآيات ، المانعة لمن عقلها من تقييد العمران بالعادات ، وإصلاحه للبشر بحكمة بيانه وقوة بنانه ، وختمها بقوله : ببيانه أربى على أهل النهى * وبسيفه أنحى على الهامات من دونه الابطال في كل الورى * من سابق أو حاضر أو آت والمؤمنون بهذه الحقيقة من أحرار مفكري الشعوب كلها كثيرون ، ولكن الجاحدين لوجود رب مدبر للعالمين قليلون ، وان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لحجة عليهم في نشأته وتربيته وما علم بالضرورة من صدقه الفطري المطبوع ، ثم بما جاء به في سن الكهولة من هذه العلوم المصلحة لجميع شؤون البشر في كل زمان إذا عقلوها واهتدوا بها ، وإسناده إياها إلى الوحي الإلهي ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم بمزاياه هذه حجة وبرهان على وجود الرب الخالق الحكيم بل مجموعة حجج عقلية وطبيعية - وهاك أيها القارئ ما أزفه إليك من قواعد تلك العلوم الاصلاحية بعد تمهيد وجيز في أسلوب القرآن وحكمة جعل تلك العلوم الكلية متفرقة في سوره بأسلوبه الغريب العجيب ، وهذا المعنى قد بيناه من قبل وإنما نعيده مع زيادة مفيدة وإيضاح اقتداء بأسلوب القرآن نفسه في تكرار المعنى الواحد في المواقع المقتضية له من ايجاز أو إسهاب ، وتفصيل أو إجمال